فخر الدين الرازي

107

القضاء والقدر

فهذا تقرير البحث عن قولنا : التمسك بالدلائل اللفظية في المطالب اليقينية لا يجوز . وباللّه التوفيق

--> 1 - اللغة والدلائل اللفظية ليست حكرا على الدليل النقلي أو النصوص . فالدليل العقلي نفسه يحتاج إلى صياغة لغوية . ويرد عليه ما يرد على الدلالات اللفظية من نقض بل ربما يزيد عليه لأن المصطلحات العقلية أو الفلسفية والكلامية كثيرة وتكاد تختلف بين واضع وآخر . فالتوقف على نقل مفردات اللغة ونقل النحو والتصريف ليس فقط في النصوص القرآنية والحديثية بل في الأدلة العقلية حين تصاغ في قوالب أدلة تعتمد على اللغة ، والمنطق . وكذا قل في : عدم الاشتراك الذي يقع فيه وفي حبائله الكثير حيث تدخل فيه المعاني على المعاني القديمة بحكم الاستعمالات الجديدة والمصطلحات المستجدة . بل ما يقول في الترجمة حين ترجمت مصنفات اليونان وفلسفاتهم ونحتت المصطلحات العربية لها واحتاجت هذه الترجمات إلى شروح عربية لصعوبة الأسلوب الذي ترجمت به هذه النصوص ولعيوب الترجمة الكثيرة خاصة عند من اعتمد الترجمة الحرفية . ولو رحنا نستقصي اختلافات الفلاسفة والمتكلمين لوجدناها استغرقت كل المسائل تقريبا . وكذلك لو رحنا نبحث في فهم التلامذة - تلامذة المذاهب - لأساتذتهم لوجدناهم يختلفون في تخريج قول أستاذهم وتفسيره . وإذا كان الرازي رحمه اللّه نفسه يمثل مدرسة من مدارسهم كالأشعرية إلا أنه يعول في كثير على الفلاسفة وعلى ابن سينا وأحيانا كثيرة يخالفهم - أي الأشعرية - في مسائل جد خطيرة . وكل من هؤلاء الفلاسفة والمتكلمين يدعى الوصول إلى الدليل العقلي البرهاني أو اليقين . . بل لقد عاب الغزالي المتكلم والفيلسوف والصوفي على المتكلمين أنهم غير ( برهانيين ) وأنهم ( جدليون ) ! في مقابل العامة الذين هم ( خطابيون ) . وأما عدم المعارض العقلي المزعوم . فحكم من الأدلة والأدلة العقلية لم تعدم معارضا عقليا . . . 2 - أما لو احتج الرازي بنفس الطريقة بالدليل القطعي القائم على البراهين والأدلة المنطقية لقلنا له : ما ذا تقول في اختلافات الفلاسفة والمتكلمين في التعريفات ، والقضايا ، والأقيسة والبراهين والأشكال والضروب والنتائج المستخلصة من المقدمات والأغاليط . أليس كل ذلك ميدان للظن . بل كم رفض الرازي نفسه تعريفات وأقيسة سبقه بها كثير من سلفه ومعاصريه ! . . . فهل كانت هذه قاطعة كذلك ؟ . 3 - أيضا ما ذا يقول الفخر الرازي رحمه اللّه فيما لو خلا النص - نص الوحي - من هذه المعارضات أو عوارض الألفاظ . هل يكون قاطعا ؟ وإذا كانت كل النصوص لا تخلو من معارض لغوي أو عقلي أو نقلي فهذا يعني عدة أمور : أولا : أن الدليل السمعي أو النقلي غير بيّن بنفسه . وهذا يطعن في الرسالة وصاحب الرسالة ! ! . ثانيا : أن الأدلة السمعية ليست حجة في العقائد . وأن شرط قطع الثبوت وقطع الدلالة قانون غير مطابق وأنه مجرد كلام لا طائل تحته إذ ليس له تطبيق على مبادي الأدلة الشرعية ونصوص الوحي . 4 - أن الأئمة والأصوليين حين جرى كلامهم في عوارض الألفاظ من الاشتراك والترادف وعدم الحذف والمجاز وغيرها . أجروها ليطبقوها في ميدان الظنيات - وهي الأحكام الشرعية ابتداء - ولو عمموا هذا القانون على أصول العقائد الشرعية لانهدم أصل الدين بالكلية . . فلا بد من قطعيات في السمع يحكم العقل بقطعيتها . 5 - على ما ذا اعتمد الرازي في التمييز بين القطع والظن ؟ وهل المنهج هو نفسه قاطع ؟ وهل يستطيع أن يفصله عن اللغة ؟ أو حتى عن منطق اللغة ؟ . لو رحنا نناقش هذه الأمور مع الرازي نفسه عليه الرحمة الإلهية ، لأخذ منا ذلك الكثير . لكن لا بد من لفت نظر القارئ إلى أن هذا المنهج لا ينسحب بالضرورة على كل النصوص . وإلى أن القطع المذكور موجود في بعض الأدلة العقلية وفي الأدلة السمعية . . بل وإلى أنه ليس هناك عقل مستقل عن النصوص بل لا بد من منهج عقلي في فهم النصوص ، ومنهج سمعي في فهم الأدلة العقلية وضبطها وبيان ومعرفة زيفها من صحيحها . فالنص خاطب الإنسان العاقل الذي يستعمل عقله الذي لم يطرأ عليه الفساد . وأي عقل مطلق يستطيع أن يحتكر الأدلة القاطعة ؟ . . وهذا نفسه موضع نظر وبحث مما يضيق بنا بحثه في هذا الكتاب . واللّه سبحانه وتعالى هو العليم الخبير .